فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

وفتحت السماء فكانت أبوابا ( 19 ) وسيرت الجبال فكانت سرابا ( 20 ) أشد نتنا ن الجيف ، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم ، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس . وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت . وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم ، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم ، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم ، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء . ( وثالثها ) قوله تعالى ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) . قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة قال القاضي وهذا الفتح هو معنى قوله ( إذا السماء انشقت ، وإذا السماء انفطرت ) إذ الفتح والتشقق والتفطر تتقارب ، وأقول هذا ليس بقوى لان المفهوم من فتح الباب غير المفهوم نم التشقق والتفطر ، فربما كانت السماء أبوابا ، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تقطر ، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل التشقق والتفطر والفناء بالكلية ، فان قيل قوله ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) يفيد أن السماء بكليتها تصيرا أبوابا ، فكيف يعقل ذلك ؟ قلنا فيه وجوه : ( أحدها ) أن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة كقوله ( وفجرنا الأرض عيونا ) أي كأن كلها صارت عيونا تتفجر ( وثانيها ) قال الواحدي هذا من باب تقدير حذف المضاف ، والتقدير فكانت ذات أبواب ( وثالثها ) أن الضمير في قوله ( فكانت أبوابا ) عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا لنزول الملائكة ، كما قال تعالى ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) . ( ورابعها ) قوله تعالى ( وسيرت الجبال فكانت سرابا ) . اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة ، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله ، وهو أن أول أحوالها الاندكاك وهو قوله ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) . ( والحالة الثانية لها ) أن تصير ( كالعهن المنفوش ) وذكر الله تعالى ذلك في قوله ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) وقوله ( يوم تكون السماء كالمهل ، ويكون الجبال كالعهن ) . ( والحالة الثالثة ) أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن وهو قوله